الرَّصاصة لا تعتذر !

الرَّصاصة لا تعتذر !



بينه وبين الرصاصة النحاسية قليلٌ من الصبر.
لم تكترث به تلك الرصاصة؛ فاللون النحاسي يجلب له النحس دومًا، إلاَّ أنه مع ذلك يصرّ على بقائه هادئًا. هي تعرف أنها ستتجه إلى المكان الفاصل بين رأسه وصدره، تلك المنطقة التي يطلقون عليها: [عُنُق].
كثيرًا ما كان العرب يتغنّون بهذه المنطقة، حتى إن القرآن الكريم جعل المسد حكايةً له. يقولون: [جيدٌ أتلَع]، ومع ذلك لم يكن يعرف مثل هذه المسميات. ما يعرفه أن العنق، أو الجيد، أو الرقبة، كانت تتردّد كثيرًا على ألسنتهم. الآن لم يعد أحد يهتم بالأعناق؛ ربما لأن جارتهم كانت ذات رقبة قصيرة.
ربما أيضًا هو ليس بالمقام الذي يسمح له بأن ينظر إلى المرآة، فيعرف: هل فعلًا لم يعد الناس يأبهون بالرقبة أم لا؟ إلا أن هذا لم يكن ما يشغله حقًا. الرصاصة النحاسية بجسمها المخروطي كانت تسير على خط مستقيم، وكانت متأكدة أنها لن تخطئ الهدف أبدًا. حتى لو أخطأته، فإنها لن تبتعد عن الحد الذي يغدو الموت فيه مناطًا بعيدًا.
الصدر يتنفس جيدًا، والأكسجين يزوّد الرئتين بكثير من الهواء. الوقت أيضًا يسير على ما هو عليه، وفق اللحظة العادية لمثل إطلاق رصاصة إلى أيّ هدف. القرب أو البعد لم يكن ذا أهمية أبدًا. العينان تترقبان الوصول، حتى النافذة كانت قد أزالت الغشاوة، إذ أسفرت الشمس عن محتويات الغرفة.
الآن وصلت الرصاصة.
وأيضًا بدأ العنق بتسريب الدم تبعًا للطلقة. لم ترتفع يده بالشكل الذي يراه دائمًا في الأفلام المعدّة لمثل هذه المشاهد، ولم يرَ مرةً الطريقة المثلى ليتدارك مثل هذا الأمر. بقيت يده مسدلة على جانبيه، وسقط ببطء؛ إذ كانت الأريكة حاجزة عن سقوطه السريع.
صرخ بأعلى صوته:
"يا كلب، أعِد الطلقة مرةً ثانية، لا أريد أن أموت ببطء !"