كان
الليلُ يومها يتكئ على كتفي كشيخٍ تعب من الحكايات، وأنا أمشي داخلي أكثر مما أمشي
في الطرقات، كأنّ الأمكنة لم تعد خرائط تُرى، بل جروحًا تُحَسّ. كلُّ بابٍ مررتُ
به فتحني، وكلُّ نافذةٍ أطللتُ منها أغلقت شيئًا في صدري. لم أعد أفرّق بين بيتٍ
أسكنه وذكرى تسكنني؛ فالأماكن حين تضيق، تتمدّد في الروح كظلٍّ لا يعرف صاحبه.
كنتُ أحمل قلبي كحقيبةٍ قديمة، امتلأت بما لا يُقال، وخفّت بما لا يُحتمل. أجرّ
خلفي صمتًا يتكلّم، ووجعًا يتقن فنّ التمثيل؛ يبتسم حين يُفترض أن يصرخ، ويصفّق
للطعنة كأنها قصيدة نجت من الرقابة. وكلما حاولتُ أن أكون أقلّ، صرتُ أكثر.. أكثر
انكسارًا، وأكثر قدرةً على جمع شتاتي بيديّ العاريتين من الأجوبة. في تلك اللحظة
التي لا تُقاس بالزمن، بل بالندوب، أدركتُ أنني لا أخاف الألم، بل أفتحه كضيفٍ
كريم، أقدّم له صدري قبل الكأس، وأقول له: خذ ما شئت، فأنا تعلّمت أن أعيش بما
ينقصني. لم يكن هذا تحدّيًا، ولا بطولةً تُروى، بل عادةً غامضة تشبه التنفّس؛ أن
تُؤلِم فتطمئن، وأن تنزف فتتعرّف على نفسك أكثر. ومن بين كل هذا العبور، كان هُناك
سؤالٌ يتخفّى في هيئة وجه، وجهٍ أعرفه حين يختفي، وأجهله حين يقترب. كأنني أمشي
نحوه منذ البداية، أو كأنه يمشي نحوي من نهايتي. وبيننا، مسافةٌ لا تُقاس بالخطى،
بل بالاعتراف:
من
أنا.. حين أناديك؟
ومن
أنت.. حين تجيبني بي؟
بين أَنْفاسِي ورَأسِي: أنْت.
الأماكن،
فعلها في الرّوح ماكن.
والمساكن،
ذكرها في القلب ساكن.
لا
تخاف
الهموم
اللي في صدرك هاتها
استوينا
من زمان
وعارفين
شْلُون نشكي
بس
ما مرّة شكينا
وقادرين
إن إحنا نبكي
بس
ما مرّة بكينا!
لا
تخاف!
هات،
عِذرك
هات،
غدرك
هات،
جرحك
وهذا
ظهري
وإلَّا
أقول!
هذا
صدري
هات..
رمحك
ولا تخاف!
عندي
كلّ اللي تبيه
كلّ
ما نفسك، تحب وتشتهيه!
ناوي
تتسلى بجروحي؟
غاوي
ترقص فوق روحي؟
وأنا
عندي:
عندي
قلبٍ من كثر ما هو تجّرح
صار
يفرح بالجديد من الجِراح
وبالعميق
من الطعون!
وِنْ
غفى ليله بليَا جرح طازج
ما
ستراح!
وعندي
عينٍ رمشها خاصم جفنّها
ونْ
نست ليلة "تصيح".
عندي
دمي…
قال:
أنا جاهز بدال الدمع، أنزف للصباح!
وكلّ
ما هو
مُفجع
ومؤلم
ونافر
ومُتنافر
فيني
حافر، حظّي وافر، وماني: كافر…
حتى
لو عني تِسافر
منت
ظافر بالتّرجي
وماني
زافر
روح
سافر!
وجهك
أبيض مدري سَافِر
روح
سافر
وهاتها
كلّ الخناجر
بسمي
جاهر
أفتح
أفواه وحناجر
فيني
تاجر.
أنا
قادر ماني عاجز
حيل
مستمتع بحالي
وعندي
كلّ المُرّ حالي!
أنا
قادر ماني راقد!
قادر،
أتصالح مع نفسي وأحبّ
قادر،
أمشي لك / وأجيلك، حتى لو دربك صعب!
والمسافة
الفاصلة ما بين أنفاسي وراسي
قادر،
أقطعها براحة بال وبصدرٍ رحب
وأشعل
عيوني بدال الدمع:
شمع.
وأبسط
يديني بدال الغِل:
فُل.
وأفرش
ضْلوعي بدال البرد:
ورد.
قادر
أبكي عَنْكْ
وأحزن
وأسهر
وآلتعن
وأموت، عَنْكْ
قادر،
أسكن فيك عَنْكْ
بسّ
وينه، وينه اللي لو أقول:
يا
فلان تمّ؟
قال
سمّ.
وينه
اللي، لو أقول:
منهو
أنت!؟
منهو
أنت!؟
قال:
أنت!